ألقى دولة رئيس وزراء إقليم كوردستان مسرور البارزاني كلمة مطوّلة في مؤتمر الشرق الأوسط للأمن والسلام (MEPS)، الذي تعقده الجامعة الأمريكية في دورته السادسة، حملت في طياتها أكثر من مستوى:
خطاب تشخيص للأزمة بين أربيل وبغداد، ورسالة طمأنة واستثمار للشركاء الدوليين، ورؤية استشرافية لمستقبل كوردستان في إطار عراقٍ مضطرب وإقليمٍ يغلي بالتحولات.
المداخلة لم تكن بروتوكولية؛ بل أقرب إلى كشف حساب سياسي–اقتصادي، حاول فيها رئيس الحكومة أن يربط بين تجربة الحكم في الإقليم، وأزمة الدولة في العراق، وفرص إعادة بناء نموذج مختلف في كوردستان.
الفيدرالية الناقصة وغياب الشريك الحقيقي في بغداد
يشير مسرور البارزاني بوضوح إلى أن العراق، كما هو مطبق اليوم، لا يعيش فيدرالية حقيقية ولا تقاسمًا فعليًا للسلطة. فالدستور موجود، لكن آليات تطبيقه معطّلة، ولا توجد مساءلة حقيقية لمن ينتهكه.
حول هذا المحور من كلامه تطرق البارزاني إلى:
1- الدستور حدّد العلاقة بين الحكومة الاتحادية والأقاليم، لكن:
- قانون الإرهاب ما زال أداة سياسية أكثر منه إطارًا قانونيًا ناضجًا.
- قانون النفط والغاز لم يُقرّ رغم مرور سنوات على كتابة الدستور، وما زالت بغداد تعمل بقانون قديم من عهد النظام السابق لا ينسجم مع النظام الفيدرالي.
- ملف الموازنة والرواتب يُستخدم كأداة ضغط، مع تدخل اتحادي مفرط في تفاصيل الإدارة المالية للإقليم.
2- في الانتخابات العراقية الأخيرة:
- يؤكد أن الحزب الديمقراطي الكوردستاني حصل على أكثر من 1,111,000 صوت، كأكبر عدد أصوات لحزب واحد، لكن توزيع المقاعد لم يكن منصفًا، ما يعكس خللًا عميقًا في قانون الانتخابات.
- يشير إلى أن العدالة النسبية في تمثيل الأصوات داخل البرلمان غائبة، وأن تعديل قانون الانتخاب ضرورة لأي إصلاح سياسي حقيقي.
لو قمنا بتحليل هذا الجزء من الخطاب، سنرى ان رئيس وزراء الإقليم ارسل رسالتين واضحتين:
1. إلى بغداد:
أن الإشكال ليس في النصوص، بل في الإرادة السياسية لتطبيقها. الدستور – كما يفهمه الإقليم – ليس مجرد مرجع نظري، بل عقدٌ ملزِم، ومن يخرقه يجب أن يُحاسب.
هذا من الناحية العملية يعني أن أربيل تريد أن تنقل النقاش من منطق “الحلول الترقيعية” إلى منطق الالتزام القانوني والمؤسسي.
2. إلى المجتمع الدولي:
أن إقليم كوردستان لا يريد الانفلات من النظام الاتحادي، بل يريد اتحادًا منضبطًا بقواعد. الرسالة هنا: لسنا المشكلة، بل ضحية غياب تطبيق قواعد اللعبة التي اتفقنا عليها جميعًا بعد 2003.
من زاوية استشرافية، إذا لم يتم إصلاح العلاقة الدستورية بين بغداد وأربيل، سيبقى الإقليم أمام ثلاثة سيناريوهات متداخلة:
- استمرار “اللا استقرار المُدار” تسويات مرحلية كلما تفجّرت أزمة.
- تصاعد النزعة الاستقلالية سياسيًا ورمزيًا، حتى لو لم تتحوّل إلى خطوة قانونية مباشرة.
- توسع دور الأطراف الدولية كضامن وحَكَم، ما يعمّق تدويل الملف الكردي داخل العراق.
النفط والغاز… بين السياسة والأمن والاقتصاد
الشق الاقتصادي في خطاب مسرور البارزاني كان محوريًا، خصوصًا في ما يخص:
1- إيقاف تصدير نفط الإقليم بقرار من بغداد، وما ترتب عليه من:
- خسارة بمليارات الدولارات.
- عدم قدرة الإقليم على دفع الرواتب أو تعويض عجز الموازنة.
- تعطيل مئات الآبار والشركات الصغيرة، التي احتاجت وقتًا واستثمارات لإعادة تشغيلها.
2- التأكيد أن:
- كردستان لم تتجاوز حصتها الطبيعية من الإنتاج مقارنة بنسبة السكان (12.6–14%)، وأن إنتاجها الفعلي (300–400 ألف برميل يوميًا) كان أقل من حصتها المفترضة من مجمل إنتاج العراق.
- الادعاء بأن الإقليم ينتج “فوق الحصة” كان ذريعة سياسية وليست مشكلة حقيقية في إطار أوبك.
3- الإشارة إلى الهجمات بالطائرات المسيّرة على الحقول النفطية، ومعرفة الجهات المسؤولة، واعتقال بعض الجناة ثم إطلاق سراحهم دون محاسبة، ما:
- ضرب ثقة الشركات الأجنبية.
- كشف هشاشة منظومة الردع القانونية.
4- في ملف الغاز والكهرباء:
- كردستان بدأت مبكرًا في الاستثمار بالغاز، وتنتج الآن من عدة حقول.
- جزء من الغاز يُحوّل إلى كهرباء تُزوّد بها بقية مناطق العراق، وهو ما يقدّمه الإقليم كبرهان على أنه شريك في حل أزمة الطاقة، لا جزء من المشكلة.
- مع زيادة إنتاج الغاز يمكن للإقليم أن يكون لاعبًا أكبر في توليد الكهرباء وتخفيف الضغط عن الشبكة الوطنية.
قراءة لما تقدم یدفعنا الی القول:
يحاول مسرور البارزاني إعادة صياغة سردية النفط والغاز من كونها “ملف نزاع” إلى كونها فرصة شراكة مشروطة بالاحترام المتبادل:
- من جهة، يظهر الإقليم نفسه كـ ضحية لقرارات سياسية عطّلت الاقتصاد، وأضرت بالمواطن، وأفقدت العراق موردًا مهمًا، دون أن يربح أحد.
- ومن جهة أخرى، يرسل رسالة ضمنية للمجتمع الدولي والشركات:
نحن جاهزون لنكون منصة طاقة مستقرة، شريطة أن تكفّ السياسة في بغداد عن استخدام النفط كسلاح.
مستقبلاً، إذا نجح الإقليم في:
- تثبيت قانون واضح للنفط والغاز،
- وتحقيق حد أدنى من الاستقرار الأمني حول الحقول،
- وإقناع بغداد بأن استمرار التصدير مصلحة مشتركة،
فيمكن أن يتحول كوردستان إلى نقطة ارتكاز للطاقة في شمال العراق، خاصة في الغاز والكهرباء، وربما لاعبًا لا يُستهان به في أمن الطاقة الإقليمي.
الشباب، القطاع الخاص، والرقمنة… ملامح اقتصاد جديد
جزء آخر مهم في الكلمة ركّز على الشباب وفرص العمل، ويمكن تلخيص أبرز محاوره في:
1- الاعتراف بأن:
- التعيينات في القطاع العام منذ 2013 تتم عبر العقود لا التعيين الدائم، وأن هذا الوضع غير قابل للاستمرار.
- بغداد توظّف في محافظات أخرى، بينما يحرم الإقليم من حصته الطبيعية في التوظيف الاتحادي.
2- الدعوة إلى:
- فتح باب التعيين في القطاع العام لسد النقص الناتج عن التقاعد والوفيات.
- فهم أن القطاع العام وحده لن يستوعب طموحات جيلٍ كامل من الشباب.
3- الإشادة بـ حيوية القطاع الخاص في كوردستان:
- كثير من المشاريع والطرق والبنى التحتية تم تنفيذها بتمويل خاص، وليس من موازنة استثمارية اتحادية.
- التوسع في القطاع الخاص يعني توسّعًا طبيعيًا في فرص العمل للشباب.
4- طرح فكرة ربط جاذبية القطاع الخاص بـ:
- تعديلات في قانون التقاعد تضمن للعاملين في القطاع الخاص:
§ راتبًا تقاعديًا،
§ وضمانًا اجتماعيًا مشابهاً لما في القطاع العام،
§ بحيث لا يكون “الأمان الوظيفي” حكرًا على الحكومة.
5- في موازاة ذلك، طرح مشروعات الرقمنة والدمج المالي:
- مشاريع مثل Ronaki و “حسابي – My Account” و E-Zula للدفع الإلكتروني.
- الهدف مزدوج:
§ تسهيل حياة المواطنين، وتقليل الطوابير والبيروقراطية.
§ منح الحكومة رؤية فورية وواضحة لحجم الأموال المتداولة والجباية الفعلية.
6- مشروع BLOOM:
o نموذج جديد لدعم الشباب عبر تمويل بنكي منظم، تضمن الحكومة جزءًا منه وتراقبه، بدل توزيع منح مباشرة تضيع دون استرداد.
o تجارب ناجحة مع 25 مشروعًا شبابيًا، بين من كان لديه مشروع صغير ويريد التوسع، ومن بدأ من الصفر بفكرة واعدة.
نستنتج مما ذكرناه اعلاه:
ان الخطاب يقدّم ملامح تحوّل اقتصادي–اجتماعي في رؤية حكومة الإقليم:
· الانتقال من نموذج “الدولة صاحبة العمل” إلى نموذج:
- دولة منظِّمة وضامِنة،
- وقطاع خاص منتِج،
- وشباب مندمج في دورة الاقتصاد عبر أدوات مالية حديثة.
· التركيز على الرقمنة والشفافية المالية يعطي انطباعًا بأن الإقليم يريد:
- تطبيع نفسه مع المعايير الدولية في الحوكمة الاقتصادية،
- وجذب استثمارات ترى أرقامًا واضحة وبيانات مالية موثوقة.
مستقبلاً، إذا نجح الإقليم في:
· توسيع دائرة المستفيدين من مثل BLOOM،
· حماية حقوق العاملين في القطاع الخاص تشريعيًا،
· وفرض الانضباط المالي عبر الرقمنة والشفافية،
فهو يقترب من نموذج اقتصاد شبه–ليبرالي منظم، يستند إلى قطاع خاص قوي ودولة منضبطة، وهو ما يمكن أن يميّزه عن بقية العراق.
سوريا، الكرد، والإقليم الأوسع… من منطق الكسر إلى منطق التكامل
انتقل مسرور البارزاني إلى بعدٍ إقليمي أوسع، خاصة في ما يتعلق بـ سوريا والقضية الكوردية هناك:
1- دعا إلى:
- حكومة سورية شاملة تراعي تنوّع المكوّنات: الكورد، العرب، الدروز، السنة بمشاربهم المختلفة.
- صياغة دستور يضمن المواطنة المتساوية، ويبدّد مخاوف المكوّنات من التهميش أو الإقصاء.
2- أبدى ارتياحه لاستضافة:
- ممثلي المجلس الوطني الكوردي ENKS،
- وممثلي قوات سوريا الديمقراطية SDF،
- في جلسة واحدة داخل المؤتمر، معتبرًا هذا النوع من اللقاءات ترجمة عملية لفكرة السلام وليس مجرد شعارات.
3- رسالته الأوسع للمنطقة:
- الشرق الأوسط أمضى عقودًا في محاولات كسر بعضه بعضًا، والنتيجة ما نراه اليوم من أزمات.
- آن الأوان لتجربة منطق التكامل بدل التناحر.
في هذا المحور، يستثمر مسرور البارزاني موقع كوردستان كـ:
· جسر بين الكورد في العراق وسوريا،
· وفاعلٍ قادر على جمع خصوم كورد إلى طاولة واحدة،
· ولاعبٍ إقليمي يحاول أن يُظهر نفسه كصاحب مشروع استقرار لا مشروع صراع.
استشرافيًا، إذا نجح الإقليم في:
· تعزيز دوره كوسيط بين الفصائل الكوردية السورية،
· والظهور كشريك موثوق للغرب في ملفات الأمن ومحاربة التطرف،
· والحفاظ في الوقت نفسه على قنوات مع بغداد وأنقرة وطهران بدرجات مختلفة،
فيمكن أن يتحول إلى نقطة توازن إقليمي صغيرة لكنها مؤثرة، خاصة في ملفات:
الطاقة، الكرد، وأمن الحدود.
خامسًا: رسالة النهاية… الناس أولًا وكوردستان على الطريق الصاعد
اختتم مسرور البارزاني رسالته بمستوى رمزي–خطابي واضح:
· يجب أن نهتم بالناس قبل المصالح القومية الضيقة أو الحسابات السياسية والشخصية.
· احترام كل قومية، وكل دين، وكل إثنية، والإيمان بالتعايش، هو أساس بناء قوة حقيقية مشتركة.
· التغيير يبدأ من الداخل؛ من استعداد كل طرف أن يغيّر عقله وسلوكه قبل أن يطالب الآخرين بالتغيير.
· ختم بتأكيد:
“نحن في صعود… كوردستان على الطريق الصحيح… ونتحرك إلى الأمام، ولا أحد يمكن أن يوقفنا.”
قراءة ختامية:
هذه الخلاصة ليست مجرد “نبرة تفاؤل”، بل محاولة لصياغة هوية سياسية جديدة للإقليم:
· كوردستان ليست “مظلومة فقط”، بل فاعل يسعى لتصحيح العلاقة مع بغداد،
· وليست “كيانًا هامشيًا”، بل مركزًا اقتصاديًا محتملًا للطاقة والقطاع الخاص،
· وليست “بؤرة نزاع كوردي–عربي”، بل منصة ممكنة للتعايش الكوردي–العربي–الدولي.
المستقبل الذي يلمّح إليه الخطاب يشترط ثلاثة أمور:
1. إرادة داخلية في كوردستان لمواصلة الإصلاح، والرقمنة، وتمكين القطاع الخاص، وحماية القانون.
2. نضج سياسي في بغداد للانتقال من منطق العقاب والضغط إلى منطق الشراكة الحقيقية.
3. دعم إقليمي ودولي يرى في استقرار كوردستان جزءًا من معادلة أوسع لأمن الطاقة وللاستقرار في المشرق.
إذا التقت هذه العناصر الثلاثة، يصبح ما قاله مسرور البارزاني ليس فقط خطابًا في منتدى، بل ملامح مشروع سياسي–اقتصادي لكوردستان خلال السنوات المقبلة.